السيد عباس علي الموسوي
253
شرح نهج البلاغة
أن تقابل بالشكر وكل إحسان يجب أن يقابل بالشكر وهذا مبدأ أخلاقي : إن المحسن يجب شكره ولا يعصى بما أنعم . . . ثم ذكر أن نعمه الكثيرة قد خصهم بها ورحمته قد لحقتهم في كل حين وبعد ذلك ذكر بعض نعمه ورحمته فمنها أنهم أبدوا عوراتهم له فسترها عليهم أي ارتكبوا المعاصي والآثام وعصوه وهو سبحانه يستر عليهم لعلهم إليه يعودون وإلى رحابه يرجعون . . . وكذلك من نعمه أنهم ارتكبوا من المعاصي ما يوجب عذابهم واستئصال شأفتهم ولكنه سبحانه أمهلهم وأخرهم رحمة منه بهم لعلهم يتوبون ويرجعون . . . ( وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم وطمعكم فيمن ليس يمهلكم ) الوصية بذكر الموت . . . أن يعيش الإنسان هذه الحالة فإنه لا بد له وأن يعدّ العدة ويبقى على أهبة الاستعداد ومن عاش هذا الحدث كف عن المحرمات وعمل الواجبات وسعى لما وراء الموت من خير أو شر ينتظره وكذلك يجب أن يكون المؤمن فلا يغفل عنه أو ينساه لأنه يبطر ويظلم وينحرف . . . ثم استفهم منهم متعجبا : كيف يغفل الإنسان عن أمر يطلبه وكيف يطمع الإنسان بمن لا يؤخره أو يؤجله ، والموت معنا لا يغفل عن طلبنا إن غفلنا ولا يتركنا إن طمعنا بالبقاء والخلود في الدنيا بل قوانينه ستطالنا وجنده سيغزونا ولن يكون لنا من بين يديه فوت أو هروب . . . ( فكفى واعظا بموتى عاينتموهم حملوا إلى قبورهم غير راكبين وأنزلوا فيها غير نازلين فكأنهم لم يكونوا للدنيا عمارا وكأن الآخرة لم تزل لهم دارا ) هذه أعظم موعظة يراها الإنسان . . يرى الموتى أمامه ففي كل يوم يشيّع حبيبا أو صديقا أو قريبا . . . إننا نراهم قد حملوا على الأكتاف قهرا عنهم إلى قبورهم ولم يركبوا باختيارهم وحريتهم وأنزلوا فيها قهرا عنهم ولم ينزلوا طوعا منهم وباختيارهم . . . إنهم رحلوا عن الدنيا فكأنهم لم يبنوا فيها ولم يكونوا من عمارها وبناتها فقد أتى عليهم الموت فذهب بهم وقضى عليهم وكأنهم بانتقالهم إلى الآخرة واستقرارهم فيها كأنهم لم يزالوا فيها لم يفارقوها لأنهم من الآن فصاعدا لن يفارقوها لأنها منازلهم الأبدية . . . ( أوحشوا ما كانوا يوطنون وأوطنوا ما كانوا يوحشون ) فإن مساكنهم التي كانوا بها يوطنون ويسكنون قد أصبحت موحشة بفقدهم وهذه القبور التي كانت موحشة وكانوا يستوحشون منها قد سكنوا فيها واتخذوها وطنا لهم . . . ( واشتغلوا بما فارقوا وأضاعوا ما إليه انتقلوا ) عملوا في الدنيا بما لا يبقى لهم ولا